مدونـة همــــام البهنــــسي
قليلاً من الرياضيات... والكثير من الفلك والموسيقى.

آخر التعليقات

ملخص التعليقات

قائمة الصفحات

    كانت مقدمـــة لابد منها!
    التوقيت 27/صفر/1431 03:19 ص بقلم الكاتب همام البهنسي

    كلا هذه ليست مقدمة أخرى لهذه المدونة كما يوحي عنوانها. كما أنها ليست حتى من كتابتي. لكني في النهاية أنا المعني بها. فهذه المقدمة في الحقيقة كانت هي المقدمة التي لابد منها لمشروع تخرجي من كلية الهندسة المدنية – قسم الإدارة الهندسية والإنشاء في العام الدراسي 2003-2004 في إحدى الجامعات العربية العريقة. كانت هذه المقدمة هي البديل لعبارات التبجيل والتفخيم والتعظيم والـ... التي تشكل صلب المقدمات في مشاريع التخرج عادة. قد يكون هذا البديل غير موفق في ذلك الوقت ولكنه بالتأكيد متميز ويستحق أن أفرد له هذه التدوينة.

     

    المقدمة التي ستقرؤونها اقتبستها كما هي بعد أخذ الموافقة من كاتبها طبعاً. لا أفضل ذكر كاتب المقالة الأصلي، من مطلق قول المصطفى عليه السلام “إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا”، لأن الكثير ممّن قرؤوا هذه المقدمة اعتبروها خطيئة لا تغتفر، لا تسألوني لماذا! لأني في الحقيقة لا أدري ما هو الشيء البشع الذي وجدوه فيها. أتمنى أن يساعدني أحد منكم في ذلك.

     

    لا أريد أن أطيل في هذه المقدمة للمقدمة التي لابد منها، سأترككم معها من هنا على أمل أن أعود لكم في النهاية. إلى لقاء قريب إذن...

     

    غريب أن يقوم شخص ثالث بكتابة مقدمة لمشروع تخرج تَشَارك (أو على وجه الدقة، تخاصم) فيه طالبا هندسة مدنية. خاصة إذا عرفنا أن هذا الشخص الثالث لم يكن له ذنب سوى أنه آوى هذين الطالبين في منزله ضمن فترة عملهما بالمشروع.

    لقد فضَّلتُ أن أكتب أنا هذه المقدمة حقناً للشتائم التي كانت ستنطلق من لسان أحدهما على الآخر، عندما يقوم ذاك الآخر بكتابة المقدمة التي تمدحه، وتظهر صديقه على أن دوره اقتصر على إحضار إبريق الشاي فقط... بينما في الحقيقة، كنت أنا من استلم هذا الدور الحيوي...

    تسألني ماهو المشروع؟ أذكر أنني سمعتهم يتحدثون عن جسر ضمن عقدة طرقية في المملكة العربية السعودية (وكأن هذا ما كان ينقصهم). يربط الجسر الطريق السريع بين مدينتي حائل والقصيم. عندها أذكر أن أحدهم نظر إلى الآخر بنظرة زجاجية، وسأله: وما دورنا في هذا كله؟ فأجابه زميله: هيء هيء، سنقوم بوضع دراسة تنظيمية وتكنولوجية للجسر... وهنا، لم أستطع منع نفسي من التدخل: ولماذا جسر ؟ لماذا لا تدرسون بناءً تقليدياً مثلاً ؟

    نظرا إلي نظرة مغزاها: (المسكين، أهو على هذه الحال منذ زمن؟) ثم قبل أحدهما التنازل ليجبني على سؤالي البريء: ما رأيك أن تذهب وتلعب بعيداً... تريدنا أن نترك جسر منفذ بأحدث الأساليب والتقنيات كي يفلت من يدينا لنأخذ بناءً عادياً مملاً...

    فأضاف الآخر بحماس: هذا المشروع من شأنه أن يحمس الدكاترة المشرفين لدرجة إعطائنا 90 على الأقل بكل راحة ضمير!!!

    عندها قلت: الله يستر!

    طبعاً لم يعلما (الأخرقين) ما ورطا نفسيهما به... إلا أن إحساسهما بالخورفة (إن صح التعبير) لم يلبث إلا وقد بدأ يتزايد مع كل استشارة كانا يطلبانها من أحد الأساتذة، الذي كان يهز كتفيه ويشير برأسه في ما معناه: (آسف لا أستطيع أن أساعدكم)، ثم ينسى الموضوع برمته، ليتابع آخر أخبار الحرب المحتملة على العراق... وهكذا تكدَّست المراجع والأوراق الصفراء المهترئة في منزلي، والتي اعتبرتها مصدراً قيماً للف سندويتشات الفلافل التي كنت أقدمها لهما أثناء عملهما لدي.

    برأيي، هذا المشروع هو الدليل القاطع على وجود ما يسمى بـ (التوفيق الإلهي)، والذي يُسيِّر أغلب مرافق بلدنا هذه...

    من قال أن زمن المعجزات قد ولَّـى؟

     

    الآن وبعد أن قرأتم هذه المقدمة الملحمية، لكم أن تتخيلوا موقف الأساتذة في لجنة التحكيم وغيرهم من أعضاء الهيئة التدريسية الذين كانت هذه المقدمة بالنسبة لهم أهم من المشروع نفسه. لكم أن تتخيلوا الهرج والمرج الذي تسببت به هذه المقدمة المفترسة، لكم أن تتخيلوا ماهي نتيجة مشروع التخرج التي حصلت عليها بفضل هذه المقدمة، لكم أن تتخيلوا ما يحلو لكم... فالكلمات تعجز عن الوصف، إنما هي المخيلة الواسعة القادرة على تقريب الجواب!





    المتجهــات في النظريــــة الموسيقيـــة – جزء 2: الفضاء الموسيقي (Music Space/M-space)
    التوقيت 19/صفر/1431 03:50 م بقلم الكاتب همام البهنسي

    تستكمل لنا هذه التدوينة ما بدأته سابقتها في الحديث عن تطبيق مفهوم المتجهات في النظرية الموسيقية. في الحقيقة كان يفترض من هذه التدوينة أن تقدم لنا العمليات الرياضية وتأثيرها على المتجهات الموسيقية، ولكن بسبب اعتماد تعريف العمليات الرياضية على ما سأقدمه هنا آثرت تأجيلها لجزء لاحق إن شاء الله.

    في هذه التدوينة سأقوم بوصف ما يسمى الفضاء الموسيقي (Music Space) أو اختصاراً (M-Space) الذي تنتمي له هذه المتجهات. حقيقةً، مفهوم الفضاء الموسيقي غير مطروح في النظرية الموسيقية الأساسية التي عمل بها ألن فورت (Allen Forte) وإنما قمت بتقديمه أول مرة وعرضه هنا لأهميته في تبرير تصرف المتجهات الموسيقية في فضائها عند تطبيق العمليات الرياضية عليها.

     

    إذن ماهو هذا الفضاء وماهي خصائصه؟

     

    كتعريف مختصر…

    الفضاء الموسيقي هو فضاء مجرد1 مؤلف من عدد من الأبعاد2 ذات طوبولجية دورانية3.

    طبعاً قد يكون التعريف السابق مبهم في بداية الأمر، ولكن بعد تبسيطه وتحليل مكوناته ستتوضح صورته بإذن الله.

     

    المكون الأول من هذا التعريف يوصف لنا هذا الفضاء بكونه فضاء خيالي ومجرد، أي لا يوجد له تمثيل واقعي كما في حالة الفضاء الذي نعيشه والذي يمكن أن يمثل بفضاء متعامد ثلاثي الأبعاد. لذلك لا يمكن وضع تخيل بصري عام لهذا الفضاء وأقصى ما يمكن تمثيله بصرياً هو بعض الحالات الخاصة والبسيطة والتي سنمر عليها بعد قليل.

     

    المكون الثاني من هذا التعريف هو عدد الأبعاد التي يتألف منها الفراغ الموسيقي. فعلياً لا يوجد هناك عدد محدد لهذه الأبعاد، وإنما عددها يتعلق مباشرة ببعد المتجهات الموسيقية التي تنتمي له. فعلى سبيل المثال المتجهات الموسيقية الثنائية أو الديادس (Dyads) كما تسمى موسيقياً بحاجة لفضاء ثنائي الأبعاد لاحتوائها، بينما الكوردات الثلاثية (Trichords) تتطلب فضاء بثلاثة أبعاد وهكذا بالنسبة للمتجهات ذات الأبعاد الأعلى مثل (Tetrachords, Pentachords, Hexachords) التي تحتاج لفضاءات ذات أبعاد رباعية وخماسية وسداسية على الترتيب. كما هو واضح من هذا الجزء من التعريف، من الصعب تخيل أو تمثيل فضاء بخمسة أبعاد مثلاً لذلك يبقى هذا الفضاء مجرد وتخيلي كما مر معنا في الجزء الأول من التعريف.

     

    الجزء الأخير من التعريف هو في الحقيقة الجزء الأصعب والأهم لتأثيره مباشرة على تصرف العمليات الرياضية التي سيتم تعريفها فيما بعد. يحاول هذا الجزء من التعريف وصف ما يسمى طوبولوجية الفضاء (Space Topology) من خلال مكوناته الأساسية وهي الأبعاد. ولكن ماهو المقصود بطوبولوجية الفضاء؟ وكيف تؤثر هذه الطوبولوجية على الشكل العام للفضاء المدروس والمكونات التي تنتمي له؟

    حقيقة الأمر، الإجابة عن هذه الأسئلة هي جزء أساسي وهام من أحد أفرع الرياضيات الحديثة المسماة بعلم الطوبولوجي التي قد يكون من الصعب جداً إعطائها حقها بالشرح ضمن تدوينة بسيطة. لذلك سنتكفي هنا باقتباس بعض الأفكار الأساسية من هذا العلم للتعرف عليها وعلى تطبيقاتها في حالتنا التي تتعلق بالموسيقى. بشكل عام يهتم هذا العلم بدراسة سلوك الفضاء وخصائصه مثل الاستمرارية (Continuity) والترابط بين أجزائه المختلفة (Connectivity) وغيرها من الخصائص. لتوضيح بعض هذه المفاهيم والفرق بينها سنأخذ الأمثلة البسيطة التالية.

     

    إذا درسنا التمثيل الفراغي لفضاء الغرفة التي نعيش ضمنها الآن. سنجد أن هذا التمثيل يعتمد على ثلاثة محاور متعامدة تمتد بشكل مستمر من مركز الإحداثيات في أحد أطراف الغرفة وتنتهي فعاليتها بنهاية الغرفة. أي فعلياً كل من هذه الأبعاد يمكن التعبير عنه رياضياً بمجال مغلق من القيم المستمرة الذي ينتمي لفضاء الأعداد الحقيقية R1. فعلى سبيل المثال إذا كان طول الغرفة على المحور X هو 12m، عندها يمكن أن يكون التمثيل الرياضي لفضاء الغرفة بالنسبة لهذا البعد هو [0,12].

     

    الآن وبناءً على هذا التمثيل الرياضي، ماهي الخصائص الطوبولوجية له؟

    نلاحظ أن جميع أبعاد هذا الفضاء تحقق خاصية الاستمرارية على المجال المعرفة ضمنه، لأننا فعلياً نستطيع التعامل مع أية قيمة ضمن حدود هذا المجال. حسناً ولكن ماذا عن حدود المجال نفسه؟ نلاحظ هنا أن أطراف المجال لا تحقق خاصية الترابط، وذلك بسبب عدم إمكانية الانتقال من أحد أطراف المجال للطرف الآخر بشكل مباشر دون انقطاع. وهذا ما نلمسه على أرض الواقع، فلا أحد يستطيع فعلياً الانتقال آنياً من بداية الغرفة إلى نهايتها إلا إذا كان يستخدم إحدى آلات الانتقال الآني التي تعج بها أفلام الخيال العلمي أو كان على علم بأحد الثقوب الدودية (Wormholes)  التي يفترض العلماء وجودها في بعض الأماكن من الفضاء. إذن أين يمكن أن نجد فضاء يحقق خاصية الترابط بين أطراف المجال؟

    في الحقيقة هناك الكثير من الحالات التي تمثل بفضاء ذو أطراف مترابطة. على سبيل المثال، إذا أخذنا الزمن كبعد إضافي للفضاء الذي نعيش فيه ودرسنا تمثيله السائد على الساعة ذات العقارب، سنلاحظ في هذا التمثيل أن مجال الساعات هو في الحقيقة مجال مستمر بين [0,12) ولكنه في نفس الوقت مترابط أيضاً بين أطراف هذا المجال. السبب في هذا الترابط هو أنه من الممكن لعقرب الساعة الانتقال من نهاية المجال عند الساعة 11:59 إلى بدايته عند الساعة 0 مرة أخرى بشكل مباشر ودون انقطاع.

    ساعة ذات العقارب

    هذه الحقيقة البسيطة يمكن تعميمها لأي بعد دائري. على سبيل المثال حدود مجال زوايا الدائرة التي تتمثل بالمجال [0,2π) أيضاً تعتبر مجال مترابط لأن الزاوية 2π على طرف المجال تؤدي للوصول للزواية 0 على الطرف الآخر من المجال مباشرة.

     

    في علم الطوبولوجي يُمثل البعد الذي يحقق خاصية الترابط على حدود مجاله بدائرة  S1

    الآن وبعد كل هذا النقاش ما هي الخصائص الطوبولجية للفضاء الموسيقي الذي يهمنا بالأساس؟

    في حقيقة الأمر تحقق أبعاد الفضاء الموسيقي خاصية ترابط حدود المجال التي ذكرناها لذلك طوبولوجياً يمكن تمثيلها بالدائرة S1. وأقرب مثال يمكن استخدامه لتخيل شكل البعد الموسيقي هو مثال الساعة ذات العقارب. فإذا افترضنا أن أدلة النغمات التي ذكرناها سابقاً من 0 إلى 11 مصطفة على محيط دائرة بشكل مشابه لما نراه في الساعة ذات العقرب نكون قد وصلنا لتوصيف بسيط وكافي لبعد من الفضاء الموسيقي. بناءً على هذا الوصف، يكون الفرق بين العلامة الموسيقية ذات الدليل 2 والعلامة ذات الدليل 11 ليس 9 كما هو متوقع في الفضاءات التي لا تحقق خاصية الترابط، وإنما الفرق هو 3 لأنه وبسبب ارتباط أطراف المجال يمكننا الانتقال من الدليل 11 للدليل 2 من خلال ثلاث خطوات كالتالي: 11->0->1->2.

     

    دائرة العلامات الموسيقية

     

    إلى هنا نكون قد تمكنا من توصيف طبيعة أبعاد الفضاء الموسيقي بناء على بعض المفاهيم الأساسية في الرياضيات، ولكن للأسف هذا لا يكفي، لأن الفضاء المدروس هو تركيب من عدد من الأبعاد وليس مؤلف من بعد وحيد. لذلك نحن بحاجة لاستنتاج الخصائص الطوبولوجية العامة للفضاء بناءً على خصائص أبعاده المستقلة. لتبسيط المسألة سنأخذ فضاء موسيقي مؤلف من بعدين ونرى ما هو شكل هذا الفضاء بعد أن علمنا أن أبعاده تمثل فضاء طوبولوجي دائري S1. علم الطوبولوجي يقدم لنا الحل لمثل هذا المسألة من خلال مسطح فراغي يحقق خصائص الارتباط والاستمرارية في كلا البعدين. هذا المسطح الناتج هو عبارة عن حلقة فراغية (Torus) يرمز له في علم الطوبولوجي بالفضاء T2.

     

    تمثيل فراغي لفضاء موسيقي ببعيدن

    هذا هو فعلياً الشكل الحقيقي للفضاء الموسيقي المؤلف من بعدين (X,Y) فقط، حيث على سطح هذا الفضاء الملتوي تقع جميع الكوردات الموسيقية الثنائية بتوضعها الفراغي الصحيح الذي تحققه الخصائص الطوبولوجية للفضاء.

    من الواضح أن هذا التمثيل الذي قدمته هنا قد لا يكون مألوفاً للكثير وذلك بسبب أبعاده الدائرية، ولكن في حقيقة الأمر لا يهمنا كثيراً تمثيل الفضاء بصرياً لأنه وبكل الأحوال من غير الممكن تمثيل أي فضاء موسيقي أكبر من بعدين. ما يهمنا معرفته من الناحية النظرية هو أن أي فضاء موسيقي يمكن تشكيله من خلال عملية ضرب كارتيسية لأبعاده الدائرية، ففي حال فضاء موسيقي بثلاثة أبعاد يكون التعبير الرياضي له هو: S1×S1×S1=T3 أي أن الفضاء الناتج هو عبارة عن الحلقة T3. بنفس الطريقة يتم التعبير عن أي فضاء موسيقي بأي بعد كان.

     

    أعتقد أننا أدرنا اليوم رؤوسنا بما يكفي مع كل هذه الفضاءات الدورانية والطوبولوجيات الملتوية. سأتوقف هنا بعد أن أخذنا فكرة بسيطة حول ماهية الفضاء الموسيقي الذي سنستخدمه كأساس عام لتعريف جميع العمليات الرياضية  وتبرير تصرفها موسيقياً.

     

    إلى ذلك الوقت أترككم في رعاية الله...





    يا زمـــان الوصــــل بالأندلــــس
    التوقيت 24/محرم/1431 12:13 ص بقلم الكاتب همام البهنسي

     

    بداية أود التوجه بالشكر لجميع الأصدقاء وعلى رأسهم الأخ حازم الزعبي والصديق أحمد عز الذين بفضلهم قمت بكتابة هذه التدوينة. وأعتذر من الجميع عن تناول موضوع خارج عن التوجه العام للمدونة، ولكن للضرورة أحكام كما يُقال، ففي الآونة الأخيرة بدأت في الانتشار ظاهرة أقل ما يمكن القول عنها هو أنها مقلقة. هذه الظاهرة تستغل حماسة الشباب في الترويج لمقالات تهدف في ظاهرها إلى الحث على الاهتمام بالعلم من خلال عرض مجموعة من المعلومات المنتقاة بعناية لإظهار تفوق اليهود وتخلف غيرهم من الشعوب وعلى رأسهم العرب والمسلمين.

     

    وللأسف، وضمن ثقافة "الفوروردات" السائدة هذه الأيام في البريد الالكتروني، نجد الكثير من الشباب وبحسن نية منهم يقوم بالمساهمة بنشر مثل هذه المقالات دون الانتباه إلى دوره في تكبير أنكر الأصوات الصادرة من البوق الإعلامي اليهودي.

     

    من المؤسف فعلاً أن نرى حتى الآن من ينساق وراء الدجل الإعلامي ويصدق التدليس التجاري الذي يمارسه اليهود لتسويق ذاتهم أمام العالم بصورة وقحة ومستمرة لدرجة أصبح ينطبق عليهم المثل العامي: "كذب الكذبة وصدقها".

     

    أين هي الاختراعات ومن هم العلماء والذين تفضلوا على البشرية للوصول لما هي عليه اليوم كما تذكر تلك المقالة؟ فلنعد للتاريخ ونرى هل تلك القائمة الهزيلة التي يسوقها الإعلام اليهودي هي فقط ما صنع الحضارة والعلم للبشرية؟ أين بقية العلماء سواءً من المسلمين أو من غيرهم الذين كانت وما زالت إنجازاتهم العلمية تُغفل رغم كثرتها وأهميتها لصالح البروباجندا اليهودية.

     

    الأمر لا يتوقف فقط أيضاً على الإغفال والتدليس الإعلامي، وإنما يمتد بكل وقاحة للسرقة ونسب العلوم من الآخرين وخصوصاً من المسلمين دون ذكر المصادر. هل قام كاتب تلك القائمة الأصلي بسؤال نفسه أين ذهبت جميع علوم المكتبات العملاقة التي كانت في الأندلس؟ هل قامت أوربا البربرية آنذاك مشكورة بتوثيقها ونسبها للعلماء المسلمين؟ أم قاموا بسرقتها ونسبها لأنفسهم واحتكارها لديهم بعد أن أحرقوا ما أحرقوا ودمروا ما دمروا بهمجية قلما يشهدها التاريخ؟ همجية علمية كانت ثمرتها وحشية إنسانية في محاكم التفتيش.

     

    لحسن الحظ ما زال التاريخ ورغم كل هذه الجرائم العلمية يحفظ لنا الكثير من الإنجازات الهامة التي قام بها المسلمون والتي بالطبع مازالت محاولات اليهود لسرقتها ونسبها لهم مستمرة إلى يومنا هذا. فهاهي مثلاً إحدى محاولاتهم الوقحة تتمثل في برنامج وثائقي تم إنتاجه مؤخراً من قبل إحدى الشركات الصهيونية في الولايات المتحدة تحاول في تشويه تاريخ العرب والمسلمين في الأندلس من خلال دس الكثير من السموم المفضوحة التي تظهر أن الشرذمة القليلة من اليهود التي تواجدت في تلك الفترة هي صاحبة الفضل في كل ما صنعه المسلمون هناك، تماماً كما تحاول أن تروجه المقالات التي نتحدث عنها هنا. سأذكر اسم البرنامج ورابط له للتوثيق، ولكن أتمنى ألا يتم نشره كما هو الحال مع تلك المقالات المدسوسة: The Rise and Fall of Islamic Spain

    المضحك في هذا البرنامج هو أن عنوانه عن المسلمين ولكن مضمونه يتحدث عن اليهود أكثر من أي شيء أخر.

     

    لا أحد يمكنه للأسف إحصاء ما قدمه المسلمون من علوم لسببين رئيسين: الأول هو اهتمام علماء المسلمين بنشر العلم وعدم اكتراثهم بتوثيق فضلهم في وضعه، السبب الثاني: تكالب أوروبا العنصرية في تلك الفترة إلى نهش كل ما يمكنهم من المكاتب الدسمة التي تركها المسلمين في الأندلس، بالطبع تسببت هذه الوجبات الدسمة من العلوم بعسر هضم شديد لديهم في تلك الفترة بسبب الجهل والظلامية المنتشرة آنذاك، فلم يتمكنوا من الاستفادة منها أو التطوير عليها حتى فترات متأخرة بعد أن احتفظوا بها واحتكروها في مكتباتهم عدة قرون عن البشرية.

     

    قليلة هي المحاولات التاريخية الجادة لتوثيق هذه الحقائق والتعريف بفضل المسلمين في الأندلس على نهضة أوربا في شتى المجالات. من المحاولات الهامة في هذا المجال ما قامت به المؤرخة والإعلامية البريطانية بيتاني هيوز (Bettany Hughes) من البحث التاريخي الذي قدمته على شكل برنامج وثائقي للعالم بعنوان: When the Moors Ruled in Spain

    سيلاحظ كل من يشاهد هذا البرنامج بعض هذه الحقائق التي يتم إغفالها عادة لتجريد المسلمين مما قدموه من علوم كما جردوهم من أرضهم.

     

    أتمنى في النهاية رؤية المزيد من المحاولات التاريخية والإعلامية الجادة مثل محاولة السيدة هيوز لمواجهة الأكاذيب الإعلامية اليهودية التي تهدف إلى تأصيل فضلهم الزائف على العالمين. الفضل الذي انحصر في سرقة العلوم من الآخرين وتطبيقها بأسوأ الأشكال لصناعة الأسلحة والمعدات التي ساهمت في تخريب البشرية ودمارها بدلاً من تطويرها والنهوض بها.

     

    شكراً لهم إذن على هذا العلم الذي يقتل الأبرياء!