مدونة سلوان الهلالي

تطوير ألعاب - برمجة - علم نفس

عندما كانت لنا ثقافة...

في جولة حول مقاطع الفيديو القديمة في يوتيوب، اخذتني الرياح نحو مقاطع الفيديو الخاصة ببرامج الأطفال القديمة، والتي كنت اتفرج عليها في طفولتي، وقد لفت نظري أن في ذلك الزمن كان هنالك إعتزاز باللغة العربية، باللفظ، بالثقافة العربية بشكل عام، وانعكس ذلك في معظم برامج الأطفال في  ذلك الزمن، لم تكن عشوائية او سطحية كما هي اليوم...

وانا جالس اتفرج على اخي الصغير وهو يشاهد الكارتون المفضّل لديه على ام بي سي 3، وهو Ben 10، لم استطع مقاومة عقد مقارنة بين الماضي والحاضر في برامج الأطفال.

 

لنرى مثلاً أغنية الشارة لكرتون Ben 10:

 

في Ben 10، لا يبدو ان المهم هو ما تقوله كلمات الاغنية! ولكن فقط مدى تشابه اللحن للكرتون الانجليزي الاصلي، كلمات الاغنية ليست إلا حشو لا معنى له ولا هدف...

 

ولنقارنها بأغنية الشارة لكرتون حكايات عالمية (احد كرتوناتي المفضلة عندما كنت صغيراً):

 

 

ما اجمل الكلمات وما أعذب اللحن، رغم البساطة الشديدة في الإمكانات التقنية والتقديم.. ولكن فريق العمل قد أخلص فعلاً في عمله.

 

"من كل بلاد الدنيا... من كل بقاع الأرض... قصص شتى... تروى حتى... نعرف أحوال الانسان... والكل هنا جيران"

 

اما عن اللغة نفسها، فقد كانت تحتل مكانة مميزة بين برامج الأطفال، مثلاً شاهد هذين المقطعين من برنامج المناهل الرائع:

 

 

 

من الملفت للنظر طريقة التمثيل الممتازة لطاقم الممثلين بأكمله! وكذلك مراعاة اللفظ العربي الصحيح دائماً.

ومن الذكاء فعلاً إضافة روح الفكاهة للبرنامج، حيث أن كل معلومة يقدمها البرنامج يتبعها بموقف طريف او مضحك.

لماذا لا تنتج برامج من هذا النوع وبهذه الجودة المدروسة هذه الايام؟ تبدو قنواتنا فارغة تماماً بالمقارنة....

 

كان التركيز على اللغة العربية جميل فعلاً، في كل شيء، كنت أجد كتباً عن الفضاء والعلوم باللغة العربية بسهولة، وهي ليست كتب مترجمة بشكل حرفي على الإطلاق، حاول ان تبحث عن قصة او كتاب عربي حول الفضاء موجهه لليافعين اليوم، لن تجد اي شيء في اي مكان.

في ذلك الزمن كنت اذهب لمتحف العالم الطبيعي في البصرة، حيث أجد عدداً كبيراً من المجسمات والحيوانات المحنطة معروضة مع معلومات مفصلة عن كل شيء، كان يعجبني مجسّم الحوت فعلاً! وبعد ذلك اتوجه للمكتبة الكبيرة الملحقة بالمتحف والتي تجد فيها كل ما تريد من الكتب العلمية والثقافية.. ولا اتذكر اني لاحظت أي كتب بلغة غير العربية.

وكمثال عن القصص/الكتب التي كنت احب قراءتها، كانت هنالك سلسلة رائعة من القصص تسمى: الموسوعة العلمية المصورة، وهي تدور حول بطل خارق اسمه المنصور 10 ومغامراته، كان الجزء الاول من السلسلة يحمل عنوان: الكون.. اثناء كل قصة يتعمد المؤلف إضافة مصطلحات وأفكار علمية متقدمة، وفي نهاية كل قصة هنالك ملحق يتكلم ويشرح كل من تلك المصطلحات او الأفكار بتفصيل رائع، مثلاً في القصة الرابعة، يتم مناقشة هذه الأفكار في الملحق:

 

 

كما ترى الافكار التي تم شرحها لا تعتبر بسيطة ابداً....

وهذا مثال لطريقة الشرح من نفس القصة:

 

 

 

هل لاحظت دقة وجودة الترجمة؟ وهذا علم الفلك وليس بالموضوع الهين، اصعب من البرمجة وبرمجة الالعاب مجتمعين من ناحية الترجمة..

وهل تلاحظ كيفية تجنب طباعة كلمة إنجليزية واحدة؟ ولا حتى واحدة، ومع ذلك تم ايصال الفكرة بالكامل.

تصوّر لو إن مطبوعات بهذه الجودة وبهذا المستوى من المعلومات العلمية قد حلت محل "كتب" رسائل الموبايل وقراءة الكف ونظريات المؤامرة، كيف سيكون جيل الشباب الذي ينبثق من هكذا مجتمع؟

اعتقد اننا وصلنا لمرحلة رائعة من التقدّم الثقافي في نقطة ما خلال الثمانينيات وبداية التسعينيات ولم يكن التقدم معتمداً على اللغة الانجليزية ولكن على العربية الصحيحة....

...

لسبب ما انهار كل شيء قبل أن نصل لمرحلة التغيير الاجتماعي الجذري، وعدنا للصفر (أو أقل من ذلك).

 

لا احب ان اختم سلبياً، لذلك فالبحث عن كيفية قدح شرارة الثقافة الحقيقية بين يافعي العرب، لا شك أنه الحل. يجب ان نحاول نحن قدر الإمكان كمطوّرين عرب على الأقل، المساهمة بشكل فعّال في عملي�� نشر البرمجة وعلوم الكومبيوتر بين الشبان العرب وبلغة عربية صحيحة.

التعليقات (1) -

  • خالد يوسف

    21/12/2010 09:13:50 م | الرد

    مع الاسف سلوان جيلنا بائس للغاية بسبب عدم الاهتمام بالثقافة و الاستخفاف من التربية و التعليم و الركض وراء امور بالية ارجعتنا للوراء

    فكيف سيكون الحال مع الجيل القادم؟

أضف تعليقاً

Loading