مدونـة همــــام البهنــــسي
قليلاً من الرياضيات... والكثير من الفلك والموسيقى.

آخر التعليقات

ملخص التعليقات

قائمة الصفحات

    بيولوجية الموسيقى
    التوقيت 05/صفر/1433 03:20 م بقلم الكاتب همام البهنسي

     

    قد يولد عنوان هذه التدوينة شيء من الاستغراب والاستهجان المسبق عند بعض القراء الأعزاء بسبب استعارة المصطلح العلمي "بيولوجي" المخصص لدراسة المخلوقات الحية في الموسيقى، وكأن الموسيقى كائن حي له روح وجسد وأعضاء.

     

    قبل نقد أو قبول هذه الاستعارة لابأس من التعرف على عناصر التشبيه الموجودة في كل طرف لتقييم صحتها. لنبدأ بالمخلوقات الحية وليكن الإنسان مثالنا كأرقى وأعقد المخلوقات الحية التي أبدعها الله. من المنظور الديني - وهو ما يهمنا هنا لأنه هو منظور الخالق عز وجل - نجد أن الإنسان يتألف بشكل أساسي من جسد مادي تسكنه روح وما يكون من التفاعل بين الجانب الروحي والجسد المادي هو ما يشكل تصرفاته وأفعاله بمجملها. أما الموسيقى فيمكننا تحليلها إلى جانب مادي قابل للقياس والحساب يتمثل في قواعد الرياضيات الموسيقى النظرية إضافة لجانب روحي غامض يتعلق سره بمؤلف اللحن. بمقابلة هذين العناصرين، يكون الجانب المادي الملموس عند الإنسان المتمثل في جسده مكافئ لقواعد الرياضيات المادية في الموسيقى، وبالمثل بالنسبة للروح، فكما أن الروح البشرية سر كبير استأثر بعلمها رب العالمين كذلك اللحن الموسيقي، هو سر آخر يرتبط مباشرة بالروح البشرية للمؤلف ويتشارك معها غموضه وعظمته.

     

    وككل المخلوقات الحية، تتفاعل الموسيقى مع سامعها في كل مرة بشكل مختلف، ومع كل شخص بشكل مختلف، وهذا إذا دل فإنما يدل على وجود جانب روحي فيها لايمكن إغفاله. فالروح لا تشاهد أو تلمس وإنما يستدل عليها من أثرها. فأنت في كل مرة تسمعها تترك في نفسك أثر مميز يعتمد على حالتك النفسية لحظة السماع. فإذا كان الحزن مسيطراً على روحك وكان نصيبك من السمع هو  شيء من الموسيقى الحزينة فغالباً ما يكون أثرها في نفسك أثر من يتعاطف معك ويقف إلى جانبك ويشاركك أحزانك. بينما في حال سماعها والسعادة هي المسيطرة على روحك فسيكون أثرها عليك سلبي يشعرك بالكآبة المقللة للسعادة. لذلك يمكننا القول هنا بأهمية فهم نفسية الموسيقى كإنسان له شخصيته وتاريخه لتكون علاقتنا بها أفضل ما تكون. هذا الفهم النفسي سهل نسبياً في حال الإنسان، فعلم النفس بحث كثيراً في علاقة الإنسان بالإنسان، وميز بين نفسية الرجل والمرأة. في حال الموسيقى الأمر مبهم تماماً، فحتى تاريخ نشر هذه التدوينة وضمن مجال بحثي هذه أول محاولة لطرح هذا المفهوم في علم الموسيقى، لذلك نحن أمام الكثير من الأسئلة التي بحاجة للإجابة قبل التعرف على نفسية الموسيقى التي نسمعها. قد يكون أول هذه الأسئلة هو كيف يمكننا تحديد جنس الموسيقى؟ وهل هناك مثلاً موسيقى ذكورية وأخرى أنثوية؟

     

    قياساً علی الإنسان، من المعروف أن الجهاز التناسلي هو ما يدل على جنسه. وإذا كان افتراضنا السابق في أن الخصائص المادية الظاهرة في جسد الانسان تكافئ الجانب العلمي أو الرياضي في الموسيقى، إذن لابد من وجود علاقات رياضية أو قواعد في الهارموني تميز بين الموسيقى الذكورية والأنثوية. السؤال الهام هنا، إذا صحت هذه الفرضية، ماهي القواعد الرياضية التي علی أساسها يمكننا اصطلاح ان هذه المقطوعة ذكورية أو أنثوية؟ إجابة هذا السؤال قد يكون بحث كبير جداً في نظريات وفلسفة الموسيقی.

     

    هذا بالنسبة للجسد أو الجانب المادي الملموس. بالنسبة للجانب النفسي، الأمر لا يخلو من التعقيد في حال الموسيقى كما هو حال الإنسان. كمحاولة بسيطة قد يمكننا توظيف بعض الخصائص النفسية التي حدثنا عنها علم النفس في الموسيقى، فعلى سبيل المثال، يمكننا الاستدلال على المقطوعات الأنثوية من خلال البحث عن مكافئات علم النفس فيها مثل الانفعال والعاطفة المطلقة. وبالمثل بالنسبة للموسيقى الذكورية التي يفترض أن تتوفر فيها الرصانة والانضباط بالقواعد الموسيقية. المدهش في هذه الخصائص هو طرحها واستخدامها في توصيف خصائص العصور الموسيقي المختلفة. فالعصر الكلاسيكي الذي ينتمي له هايدن وموزارت يتميز بالانضباط الموسيقي والمحافظة على القواعد والتراكيب بينما عند الانتقال للعصر الرومانتيكي الذي قدم له بيتهوفن فنجده يتميز بقوة التعبير والخيال والعاطفة ومخاطبة الوجدان والشعور. هل يمكننا القول إذن بشكل عام أن موسيقى هايدن وموزارت هي أقرب للذكورية بينما بيتهوفن ومن خلفه موسيقاهم أنثوية؟ سؤال آخر بحاجة للتحقق من صحة طرحه قبل الإجابة عليه.

     

    في الطرح السابق كان الحكم بجنس الموسيقى عام وشمولي على مقطوعة كاملة أو جيل موسيقي كامل الأمر الذي قد لا يكون صائباً تماماً. لأنه على المستوى التفصيلي وضمن قواعد الهارموني تظهر فكرة الأزواج بشدة بين الكوردات المختلفة. فكما تسعى كل الأزواج في هذا الكون للالتقاء والاستقرار كذلك الأمر في الكوردات، حيث نجد لكورد ما كوردات معينة  تستطيع استكماله بحيث يكون اللحن مستقر عنده. يصطلح على هذه الكوردات بالـ "الكادينسات" (Cadence) في الموسيقى النظرية. إذن هل هذا يعني أن الحكم يبدء بالمستوى التفصيلي؟

     

    الكثير من الأسئلة المطروحة والقليل من الإجابات. قد لا تكون بالأساس أسئلة صحيحة ولكنها بالتأكيد تستحق التفكر لأنها قد تعطينا بعد آخر للتعامل مع الموسيقى ليس فقط كموسيقى ولكن ككائن بشري له مشاعره ونفسيته وتاريخه. وكأي كائن بشري كذلك الموسيقى منها الصالح ومنها غير ذلك. فلنلزم صحبة الصالح منها ونحذر من الطالح كما نحذر من رفاق السوء من البشر. فأثرها فينا كبير وإن لم نلمس ذلك.

     

    أترككم في رعاية الله وحفظه.





    المتجهــات في النظريــــة الموسيقيـــة – جزء 3: العمليات الرياضية في الفضاء الموسيقي
    التوقيت 23/محرم/1433 06:28 م بقلم الكاتب همام البهنسي

    هذا الجزء ينتقل بنا لتعريف بعض العمليات الرياضية الشائعة وأثرها على التركيب العام للمقطوعة ضمن مفهوم الفضاء الموسيقي.

    كنت أرجوا في هذا الجزء تقديم بعض الأمثلة المعزوفة لتوضيح أثر بعض العمليات الرئيسية سماعياً، ولكن متى كان الوقت يكفي للكتابة والعزف والدراسة والعمل والنوم والـ...؟! مع ذلك، سأحاول إضافتها لاحقاً في أقرب فرصة بإذن الله.

     

    لنبدأ إذن مع أولى العمليات الرياضية...

     

    الإزاحة (Transpose)

    قد لا تكون ترجمة المصطلح دقيقة على الإطلاق. فمن الناحية اللغوية قد يكون مصطلح منقول أقرب من الإزاحة لترجمة Transpose، ولكني آثرت استخدام مصطلح إزاحة بدل من منقول لكونه أكثر دلالة على العملية الرياضية على المتجه الموسيقي.

    بناءً على نتيجة اختيار المصطلح، تقوم هذه العملية بإزاحة المتجه الموسيقي بقيمة ثابتة للأعلى أو الأسفل. رياضياً تتم هذه العملية إما بجمع أو طرح قيمة الإزاحة المطلوبة لجميع عناصر المتجه.

    المثال دائماً يوضح المقال، ليكن لدينا المتجه <0,1,4>، لإزاحته للأعلى بقيمة كورد ثلاثي كبير (فاصلة رباعية) نقوم بإضافة 4 لجميع عناصر المتجه:

     

    <0+4,1+4,4+4>=<4,5,8>

     

    موسيقياً تمت إزاحة الكورد الأصلي C Db E للكورد #E F G.

    طبعاً علينا عدم نسيان الطبيعة الدورانية للفراغ الموسيقي عند حساب إزاحات تتجاوز مجال النغمات. فلإزاحة نفس المتجه السابق بكورد سباعي كبير:

     

    <0+11,1+11,4+11> = <11,12,15> بسبب الطبيعة الدورانية يصبح <11,0,3>.

     

    المعكوس (Invert)

    كما هو واضح من التسمية، من خلال هذه العملية نحصل على تأثير موسيقي معكوس لذلك الناتج من المتجه الأصلي. فإذا كان لدينا مثلاً كورد ثنائي (بفاصلة ثلاثية) كبير صاعد يكون الناتج من تطبيق هذه العملية كورد ثنائي كبير هابط.

    بناءً على مفهوم الفضاء الموسيقي الذي قدمناه في التدوينة السابقة يعتمد حساب المعكوس على تحديد متجه مناظر فراغياً للمتجه الأساسي. وبما أن الفضاء الموسيقي ذو أبعاد دائرية كما مر معنا في توصيفه، يمكن تحديد نظير كل بعد بواسطة الدائرة الممثلة لأدلة العلامات الموسيقية.

    فمثلاً نظير العلامة ذات الدليل 8 هو 4. قياساً على ما سبق، يكون معكوس المتجه السابق <0,1,4> هو <0,11,8>. أي موسيقياً مقلوب الكورد C Db E هو C B Ab. كما هو واضح من المثال جميع النغمات تم قلبها حول النغمة C ذات الدليل 0. وبالتالي مقلوب أي نغمة أعلى بفاصلة n عن النغمة C هو نغمة أخرى أدنى بفاصلة n عنها. لذلك مقلوب النغمة E (أعلى بأربع فواصل) هو النغمة Ab (أدنى بأربع فواصل*).

     

    * الفاصلة هي نصف علامة

     

     

    من الشائع أيضاً القيام بدمج عملية القلب والإزاحة، لذلك تم الاصطلاح على رموز للتعبير عن هذه العمليات بشكل مختصر كما يلي:

     

    T4I : هذه العملية تعني حساب المقلوب ثم تطبيق إزاحة بأربع فواصل للإعلى.

     

    مثال:

    <0,1,4> معكوس -> <0,11,8> إزاحة 4 -> <4,15,12> -> تعديل المجال -> <4,3,0>

     

     

     

    تأملات موسيقية في الإزاحة والمعكوس

    قبل الانتقال للتعرف على المزيد من العمليات دعونا نتفكر قليلاً في الجانب الموسيقي لهذه العمليات أكثر. ما هو التأثير الموسيقي لهاتين العمليتين البسيطتين؟

    دعنا نحاول عزف الكوردات البسيطة التالية:

     

     

    ماذا سنلاحظ؟ الملاحظ هنا أن جميع هذه الكوردات تبدو لنا كأنها مشتركة في شيء ما. والسبب في هذا هو طبيعة العمليات الرياضية المطبقة عليها (أي الإزاحة والمعكوس). صحيح أن هذه العمليات تنقلك من كورد إلى آخر ولكنها في الحقيقة تحافظ على العلاقات النسبية بين عناصر المتجه. بتعبير آخر، هذه العمليات تحافظ على التمثيل الفراغي للمتجه، لا تشوهه بتغيير طوله أو اتجاهه وإنما فقط تقوم بإزاحته أو عكسه. بناءً على هذه الخاصية، تم وضع تصنيف يفرق بين العمليات التي تحافظ على فضاء المتجه (مثل الإزاحة والمعكوس) والعمليات الأخرى التي تنقل المتجه من فضاء إلى آخر مثل عملية حساب متمم المتجه التي سنتعرف عليها لاحقاً بإذن الله.

     

    تطبيقاً للخاصية السابقة، يمكننا تجميع الكوردات التي تنتمي لنفس الفضاء (أي التي يمكن اشتقاق أي منها إما بعملية إزاحة أو معكوس) في مجموعات أو مصفوفات مميزة نصطلح عليها مصفوفة المتجهات. إذا قمنا بإحصاء وتجميع جميع الكوردات المعروفة في الموسيقى الغربية في مصفوفات نحصل على 208 مصفوفة مميزة فقط. للأسف بالنسبة للموسيقى العربية لا يوجد على حد علمي إحصاء دقيق لعدد المصفوفات المميزة، ولكن ليس من الصعب حسابها وتصنيفها إذا تم وضع قائمة بجميع الكوردات العربية. عندها يمكن تطوير برنامج لحساب ما يسمى بالشكل الأولي (Prime Form) لكل كورد ومقارنته مع الشكل الأولي لباقي الكوردات لمعرفة إذا كانت تنتمي لنفس المصفوفة أم لا.

     

    طبعاً، السؤال هنا ما هو هذا الشكل الأولي؟ وكيف يمكننا حسابه؟ كلها أسئلة هامة سنتعرف على إجاباتها في تدوينة قادمة بإذن الله.





    المتجهــات في النظريــــة الموسيقيـــة – جزء 2: الفضاء الموسيقي (Music Space/M-space)
    التوقيت 19/صفر/1431 03:50 م بقلم الكاتب همام البهنسي

    تستكمل لنا هذه التدوينة ما بدأته سابقتها في الحديث عن تطبيق مفهوم المتجهات في النظرية الموسيقية. في الحقيقة كان يفترض من هذه التدوينة أن تقدم لنا العمليات الرياضية وتأثيرها على المتجهات الموسيقية، ولكن بسبب اعتماد تعريف العمليات الرياضية على ما سأقدمه هنا آثرت تأجيلها لجزء لاحق إن شاء الله.

    في هذه التدوينة سأقوم بوصف ما يسمى الفضاء الموسيقي (Music Space) أو اختصاراً (M-Space) الذي تنتمي له هذه المتجهات. حقيقةً، مفهوم الفضاء الموسيقي غير مطروح في النظرية الموسيقية الأساسية التي عمل بها ألن فورت (Allen Forte) وإنما قمت بتقديمه أول مرة وعرضه هنا لأهميته في تبرير تصرف المتجهات الموسيقية في فضائها عند تطبيق العمليات الرياضية عليها.

     

    إذن ماهو هذا الفضاء وماهي خصائصه؟

     

    كتعريف مختصر…

    الفضاء الموسيقي هو فضاء مجرد1 مؤلف من عدد من الأبعاد2 ذات طوبولجية دورانية3.

    طبعاً قد يكون التعريف السابق مبهم في بداية الأمر، ولكن بعد تبسيطه وتحليل مكوناته ستتوضح صورته بإذن الله.

     

    المكون الأول من هذا التعريف يوصف لنا هذا الفضاء بكونه فضاء خيالي ومجرد، أي لا يوجد له تمثيل واقعي كما في حالة الفضاء الذي نعيشه والذي يمكن أن يمثل بفضاء متعامد ثلاثي الأبعاد. لذلك لا يمكن وضع تخيل بصري عام لهذا الفضاء وأقصى ما يمكن تمثيله بصرياً هو بعض الحالات الخاصة والبسيطة والتي سنمر عليها بعد قليل.

     

    المكون الثاني من هذا التعريف هو عدد الأبعاد التي يتألف منها الفراغ الموسيقي. فعلياً لا يوجد هناك عدد محدد لهذه الأبعاد، وإنما عددها يتعلق مباشرة ببعد المتجهات الموسيقية التي تنتمي له. فعلى سبيل المثال المتجهات الموسيقية الثنائية أو الديادس (Dyads) كما تسمى موسيقياً بحاجة لفضاء ثنائي الأبعاد لاحتوائها، بينما الكوردات الثلاثية (Trichords) تتطلب فضاء بثلاثة أبعاد وهكذا بالنسبة للمتجهات ذات الأبعاد الأعلى مثل (Tetrachords, Pentachords, Hexachords) التي تحتاج لفضاءات ذات أبعاد رباعية وخماسية وسداسية على الترتيب. كما هو واضح من هذا الجزء من التعريف، من الصعب تخيل أو تمثيل فضاء بخمسة أبعاد مثلاً لذلك يبقى هذا الفضاء مجرد وتخيلي كما مر معنا في الجزء الأول من التعريف.

     

    الجزء الأخير من التعريف هو في الحقيقة الجزء الأصعب والأهم لتأثيره مباشرة على تصرف العمليات الرياضية التي سيتم تعريفها فيما بعد. يحاول هذا الجزء من التعريف وصف ما يسمى طوبولوجية الفضاء (Space Topology) من خلال مكوناته الأساسية وهي الأبعاد. ولكن ماهو المقصود بطوبولوجية الفضاء؟ وكيف تؤثر هذه الطوبولوجية على الشكل العام للفضاء المدروس والمكونات التي تنتمي له؟

    حقيقة الأمر، الإجابة عن هذه الأسئلة هي جزء أساسي وهام من أحد أفرع الرياضيات الحديثة المسماة بعلم الطوبولوجي التي قد يكون من الصعب جداً إعطائها حقها بالشرح ضمن تدوينة بسيطة. لذلك سنتكفي هنا باقتباس بعض الأفكار الأساسية من هذا العلم للتعرف عليها وعلى تطبيقاتها في حالتنا التي تتعلق بالموسيقى. بشكل عام يهتم هذا العلم بدراسة سلوك الفضاء وخصائصه مثل الاستمرارية (Continuity) والترابط بين أجزائه المختلفة (Connectivity) وغيرها من الخصائص. لتوضيح بعض هذه المفاهيم والفرق بينها سنأخذ الأمثلة البسيطة التالية.

     

    إذا درسنا التمثيل الفراغي لفضاء الغرفة التي نعيش ضمنها الآن. سنجد أن هذا التمثيل يعتمد على ثلاثة محاور متعامدة تمتد بشكل مستمر من مركز الإحداثيات في أحد أطراف الغرفة وتنتهي فعاليتها بنهاية الغرفة. أي فعلياً كل من هذه الأبعاد يمكن التعبير عنه رياضياً بمجال مغلق من القيم المستمرة الذي ينتمي لفضاء الأعداد الحقيقية R1. فعلى سبيل المثال إذا كان طول الغرفة على المحور X هو 12m، عندها يمكن أن يكون التمثيل الرياضي لفضاء الغرفة بالنسبة لهذا البعد هو [0,12].

     

    الآن وبناءً على هذا التمثيل الرياضي، ماهي الخصائص الطوبولوجية له؟

    نلاحظ أن جميع أبعاد هذا الفضاء تحقق خاصية الاستمرارية على المجال المعرفة ضمنه، لأننا فعلياً نستطيع التعامل مع أية قيمة ضمن حدود هذا المجال. حسناً ولكن ماذا عن حدود المجال نفسه؟ نلاحظ هنا أن أطراف المجال لا تحقق خاصية الترابط، وذلك بسبب عدم إمكانية الانتقال من أحد أطراف المجال للطرف الآخر بشكل مباشر دون انقطاع. وهذا ما نلمسه على أرض الواقع، فلا أحد يستطيع فعلياً الانتقال آنياً من بداية الغرفة إلى نهايتها إلا إذا كان يستخدم إحدى آلات الانتقال الآني التي تعج بها أفلام الخيال العلمي أو كان على علم بأحد الثقوب الدودية (Wormholes)  التي يفترض العلماء وجودها في بعض الأماكن من الفضاء. إذن أين يمكن أن نجد فضاء يحقق خاصية الترابط بين أطراف المجال؟

    في الحقيقة هناك الكثير من الحالات التي تمثل بفضاء ذو أطراف مترابطة. على سبيل المثال، إذا أخذنا الزمن كبعد إضافي للفضاء الذي نعيش فيه ودرسنا تمثيله السائد على الساعة ذات العقارب، سنلاحظ في هذا التمثيل أن مجال الساعات هو في الحقيقة مجال مستمر بين [0,12) ولكنه في نفس الوقت مترابط أيضاً بين أطراف هذا المجال. السبب في هذا الترابط هو أنه من الممكن لعقرب الساعة الانتقال من نهاية المجال عند الساعة 11:59 إلى بدايته عند الساعة 0 مرة أخرى بشكل مباشر ودون انقطاع.

    ساعة ذات العقارب

    هذه الحقيقة البسيطة يمكن تعميمها لأي بعد دائري. على سبيل المثال حدود مجال زوايا الدائرة التي تتمثل بالمجال [0,2π) أيضاً تعتبر مجال مترابط لأن الزاوية 2π على طرف المجال تؤدي للوصول للزواية 0 على الطرف الآخر من المجال مباشرة.

     

    في علم الطوبولوجي يُمثل البعد الذي يحقق خاصية الترابط على حدود مجاله بدائرة  S1

    الآن وبعد كل هذا النقاش ما هي الخصائص الطوبولجية للفضاء الموسيقي الذي يهمنا بالأساس؟

    في حقيقة الأمر تحقق أبعاد الفضاء الموسيقي خاصية ترابط حدود المجال التي ذكرناها لذلك طوبولوجياً يمكن تمثيلها بالدائرة S1. وأقرب مثال يمكن استخدامه لتخيل شكل البعد الموسيقي هو مثال الساعة ذات العقارب. فإذا افترضنا أن أدلة النغمات التي ذكرناها سابقاً من 0 إلى 11 مصطفة على محيط دائرة بشكل مشابه لما نراه في الساعة ذات العقرب نكون قد وصلنا لتوصيف بسيط وكافي لبعد من الفضاء الموسيقي. بناءً على هذا الوصف، يكون الفرق بين العلامة الموسيقية ذات الدليل 2 والعلامة ذات الدليل 11 ليس 9 كما هو متوقع في الفضاءات التي لا تحقق خاصية الترابط، وإنما الفرق هو 3 لأنه وبسبب ارتباط أطراف المجال يمكننا الانتقال من الدليل 11 للدليل 2 من خلال ثلاث خطوات كالتالي: 11->0->1->2.

     

    دائرة العلامات الموسيقية

     

    إلى هنا نكون قد تمكنا من توصيف طبيعة أبعاد الفضاء الموسيقي بناء على بعض المفاهيم الأساسية في الرياضيات، ولكن للأسف هذا لا يكفي، لأن الفضاء المدروس هو تركيب من عدد من الأبعاد وليس مؤلف من بعد وحيد. لذلك نحن بحاجة لاستنتاج الخصائص الطوبولوجية العامة للفضاء بناءً على خصائص أبعاده المستقلة. لتبسيط المسألة سنأخذ فضاء موسيقي مؤلف من بعدين ونرى ما هو شكل هذا الفضاء بعد أن علمنا أن أبعاده تمثل فضاء طوبولوجي دائري S1. علم الطوبولوجي يقدم لنا الحل لمثل هذا المسألة من خلال مسطح فراغي يحقق خصائص الارتباط والاستمرارية في كلا البعدين. هذا المسطح الناتج هو عبارة عن حلقة فراغية (Torus) يرمز له في علم الطوبولوجي بالفضاء T2.

     

    تمثيل فراغي لفضاء موسيقي ببعيدن

    هذا هو فعلياً الشكل الحقيقي للفضاء الموسيقي المؤلف من بعدين (X,Y) فقط، حيث على سطح هذا الفضاء الملتوي تقع جميع الكوردات الموسيقية الثنائية بتوضعها الفراغي الصحيح الذي تحققه الخصائص الطوبولوجية للفضاء.

    من الواضح أن هذا التمثيل الذي قدمته هنا قد لا يكون مألوفاً للكثير وذلك بسبب أبعاده الدائرية، ولكن في حقيقة الأمر لا يهمنا كثيراً تمثيل الفضاء بصرياً لأنه وبكل الأحوال من غير الممكن تمثيل أي فضاء موسيقي أكبر من بعدين. ما يهمنا معرفته من الناحية النظرية هو أن أي فضاء موسيقي يمكن تشكيله من خلال عملية ضرب كارتيسية لأبعاده الدائرية، ففي حال فضاء موسيقي بثلاثة أبعاد يكون التعبير الرياضي له هو: S1×S1×S1=T3 أي أن الفضاء الناتج هو عبارة عن الحلقة T3. بنفس الطريقة يتم التعبير عن أي فضاء موسيقي بأي بعد كان.

     

    أعتقد أننا أدرنا اليوم رؤوسنا بما يكفي مع كل هذه الفضاءات الدورانية والطوبولوجيات الملتوية. سأتوقف هنا بعد أن أخذنا فكرة بسيطة حول ماهية الفضاء الموسيقي الذي سنستخدمه كأساس عام لتعريف جميع العمليات الرياضية  وتبرير تصرفها موسيقياً.

     

    إلى ذلك الوقت أترككم في رعاية الله...