مدونـة همــــام البهنــــسي
قليلاً من الرياضيات... والكثير من الفلك والموسيقى.

آخر التعليقات

ملخص التعليقات

قائمة الصفحات

    بيولوجية الموسيقى
    التوقيت 05/صفر/1433 03:20 م بقلم الكاتب همام البهنسي

     

    قد يولد عنوان هذه التدوينة شيء من الاستغراب والاستهجان المسبق عند بعض القراء الأعزاء بسبب استعارة المصطلح العلمي "بيولوجي" المخصص لدراسة المخلوقات الحية في الموسيقى، وكأن الموسيقى كائن حي له روح وجسد وأعضاء.

     

    قبل نقد أو قبول هذه الاستعارة لابأس من التعرف على عناصر التشبيه الموجودة في كل طرف لتقييم صحتها. لنبدأ بالمخلوقات الحية وليكن الإنسان مثالنا كأرقى وأعقد المخلوقات الحية التي أبدعها الله. من المنظور الديني - وهو ما يهمنا هنا لأنه هو منظور الخالق عز وجل - نجد أن الإنسان يتألف بشكل أساسي من جسد مادي تسكنه روح وما يكون من التفاعل بين الجانب الروحي والجسد المادي هو ما يشكل تصرفاته وأفعاله بمجملها. أما الموسيقى فيمكننا تحليلها إلى جانب مادي قابل للقياس والحساب يتمثل في قواعد الرياضيات الموسيقى النظرية إضافة لجانب روحي غامض يتعلق سره بمؤلف اللحن. بمقابلة هذين العناصرين، يكون الجانب المادي الملموس عند الإنسان المتمثل في جسده مكافئ لقواعد الرياضيات المادية في الموسيقى، وبالمثل بالنسبة للروح، فكما أن الروح البشرية سر كبير استأثر بعلمها رب العالمين كذلك اللحن الموسيقي، هو سر آخر يرتبط مباشرة بالروح البشرية للمؤلف ويتشارك معها غموضه وعظمته.

     

    وككل المخلوقات الحية، تتفاعل الموسيقى مع سامعها في كل مرة بشكل مختلف، ومع كل شخص بشكل مختلف، وهذا إذا دل فإنما يدل على وجود جانب روحي فيها لايمكن إغفاله. فالروح لا تشاهد أو تلمس وإنما يستدل عليها من أثرها. فأنت في كل مرة تسمعها تترك في نفسك أثر مميز يعتمد على حالتك النفسية لحظة السماع. فإذا كان الحزن مسيطراً على روحك وكان نصيبك من السمع هو  شيء من الموسيقى الحزينة فغالباً ما يكون أثرها في نفسك أثر من يتعاطف معك ويقف إلى جانبك ويشاركك أحزانك. بينما في حال سماعها والسعادة هي المسيطرة على روحك فسيكون أثرها عليك سلبي يشعرك بالكآبة المقللة للسعادة. لذلك يمكننا القول هنا بأهمية فهم نفسية الموسيقى كإنسان له شخصيته وتاريخه لتكون علاقتنا بها أفضل ما تكون. هذا الفهم النفسي سهل نسبياً في حال الإنسان، فعلم النفس بحث كثيراً في علاقة الإنسان بالإنسان، وميز بين نفسية الرجل والمرأة. في حال الموسيقى الأمر مبهم تماماً، فحتى تاريخ نشر هذه التدوينة وضمن مجال بحثي هذه أول محاولة لطرح هذا المفهوم في علم الموسيقى، لذلك نحن أمام الكثير من الأسئلة التي بحاجة للإجابة قبل التعرف على نفسية الموسيقى التي نسمعها. قد يكون أول هذه الأسئلة هو كيف يمكننا تحديد جنس الموسيقى؟ وهل هناك مثلاً موسيقى ذكورية وأخرى أنثوية؟

     

    قياساً علی الإنسان، من المعروف أن الجهاز التناسلي هو ما يدل على جنسه. وإذا كان افتراضنا السابق في أن الخصائص المادية الظاهرة في جسد الانسان تكافئ الجانب العلمي أو الرياضي في الموسيقى، إذن لابد من وجود علاقات رياضية أو قواعد في الهارموني تميز بين الموسيقى الذكورية والأنثوية. السؤال الهام هنا، إذا صحت هذه الفرضية، ماهي القواعد الرياضية التي علی أساسها يمكننا اصطلاح ان هذه المقطوعة ذكورية أو أنثوية؟ إجابة هذا السؤال قد يكون بحث كبير جداً في نظريات وفلسفة الموسيقی.

     

    هذا بالنسبة للجسد أو الجانب المادي الملموس. بالنسبة للجانب النفسي، الأمر لا يخلو من التعقيد في حال الموسيقى كما هو حال الإنسان. كمحاولة بسيطة قد يمكننا توظيف بعض الخصائص النفسية التي حدثنا عنها علم النفس في الموسيقى، فعلى سبيل المثال، يمكننا الاستدلال على المقطوعات الأنثوية من خلال البحث عن مكافئات علم النفس فيها مثل الانفعال والعاطفة المطلقة. وبالمثل بالنسبة للموسيقى الذكورية التي يفترض أن تتوفر فيها الرصانة والانضباط بالقواعد الموسيقية. المدهش في هذه الخصائص هو طرحها واستخدامها في توصيف خصائص العصور الموسيقي المختلفة. فالعصر الكلاسيكي الذي ينتمي له هايدن وموزارت يتميز بالانضباط الموسيقي والمحافظة على القواعد والتراكيب بينما عند الانتقال للعصر الرومانتيكي الذي قدم له بيتهوفن فنجده يتميز بقوة التعبير والخيال والعاطفة ومخاطبة الوجدان والشعور. هل يمكننا القول إذن بشكل عام أن موسيقى هايدن وموزارت هي أقرب للذكورية بينما بيتهوفن ومن خلفه موسيقاهم أنثوية؟ سؤال آخر بحاجة للتحقق من صحة طرحه قبل الإجابة عليه.

     

    في الطرح السابق كان الحكم بجنس الموسيقى عام وشمولي على مقطوعة كاملة أو جيل موسيقي كامل الأمر الذي قد لا يكون صائباً تماماً. لأنه على المستوى التفصيلي وضمن قواعد الهارموني تظهر فكرة الأزواج بشدة بين الكوردات المختلفة. فكما تسعى كل الأزواج في هذا الكون للالتقاء والاستقرار كذلك الأمر في الكوردات، حيث نجد لكورد ما كوردات معينة  تستطيع استكماله بحيث يكون اللحن مستقر عنده. يصطلح على هذه الكوردات بالـ "الكادينسات" (Cadence) في الموسيقى النظرية. إذن هل هذا يعني أن الحكم يبدء بالمستوى التفصيلي؟

     

    الكثير من الأسئلة المطروحة والقليل من الإجابات. قد لا تكون بالأساس أسئلة صحيحة ولكنها بالتأكيد تستحق التفكر لأنها قد تعطينا بعد آخر للتعامل مع الموسيقى ليس فقط كموسيقى ولكن ككائن بشري له مشاعره ونفسيته وتاريخه. وكأي كائن بشري كذلك الموسيقى منها الصالح ومنها غير ذلك. فلنلزم صحبة الصالح منها ونحذر من الطالح كما نحذر من رفاق السوء من البشر. فأثرها فينا كبير وإن لم نلمس ذلك.

     

    أترككم في رعاية الله وحفظه.





    كانت مقدمـــة لابد منها!
    التوقيت 27/صفر/1431 03:19 ص بقلم الكاتب همام البهنسي

    كلا هذه ليست مقدمة أخرى لهذه المدونة كما يوحي عنوانها. كما أنها ليست حتى من كتابتي. لكني في النهاية أنا المعني بها. فهذه المقدمة في الحقيقة كانت هي المقدمة التي لابد منها لمشروع تخرجي من كلية الهندسة المدنية – قسم الإدارة الهندسية والإنشاء في العام الدراسي 2003-2004 في إحدى الجامعات العربية العريقة. كانت هذه المقدمة هي البديل لعبارات التبجيل والتفخيم والتعظيم والـ... التي تشكل صلب المقدمات في مشاريع التخرج عادة. قد يكون هذا البديل غير موفق في ذلك الوقت ولكنه بالتأكيد متميز ويستحق أن أفرد له هذه التدوينة.

     

    المقدمة التي ستقرؤونها اقتبستها كما هي بعد أخذ الموافقة من كاتبها طبعاً. لا أفضل ذكر كاتب المقالة الأصلي، من مطلق قول المصطفى عليه السلام “إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا”، لأن الكثير ممّن قرؤوا هذه المقدمة اعتبروها خطيئة لا تغتفر، لا تسألوني لماذا! لأني في الحقيقة لا أدري ما هو الشيء البشع الذي وجدوه فيها. أتمنى أن يساعدني أحد منكم في ذلك.

     

    لا أريد أن أطيل في هذه المقدمة للمقدمة التي لابد منها، سأترككم معها من هنا على أمل أن أعود لكم في النهاية. إلى لقاء قريب إذن...

     

    غريب أن يقوم شخص ثالث بكتابة مقدمة لمشروع تخرج تَشَارك (أو على وجه الدقة، تخاصم) فيه طالبا هندسة مدنية. خاصة إذا عرفنا أن هذا الشخص الثالث لم يكن له ذنب سوى أنه آوى هذين الطالبين في منزله ضمن فترة عملهما بالمشروع.

    لقد فضَّلتُ أن أكتب أنا هذه المقدمة حقناً للشتائم التي كانت ستنطلق من لسان أحدهما على الآخر، عندما يقوم ذاك الآخر بكتابة المقدمة التي تمدحه، وتظهر صديقه على أن دوره اقتصر على إحضار إبريق الشاي فقط... بينما في الحقيقة، كنت أنا من استلم هذا الدور الحيوي...

    تسألني ماهو المشروع؟ أذكر أنني سمعتهم يتحدثون عن جسر ضمن عقدة طرقية في المملكة العربية السعودية (وكأن هذا ما كان ينقصهم). يربط الجسر الطريق السريع بين مدينتي حائل والقصيم. عندها أذكر أن أحدهم نظر إلى الآخر بنظرة زجاجية، وسأله: وما دورنا في هذا كله؟ فأجابه زميله: هيء هيء، سنقوم بوضع دراسة تنظيمية وتكنولوجية للجسر... وهنا، لم أستطع منع نفسي من التدخل: ولماذا جسر ؟ لماذا لا تدرسون بناءً تقليدياً مثلاً ؟

    نظرا إلي نظرة مغزاها: (المسكين، أهو على هذه الحال منذ زمن؟) ثم قبل أحدهما التنازل ليجبني على سؤالي البريء: ما رأيك أن تذهب وتلعب بعيداً... تريدنا أن نترك جسر منفذ بأحدث الأساليب والتقنيات كي يفلت من يدينا لنأخذ بناءً عادياً مملاً...

    فأضاف الآخر بحماس: هذا المشروع من شأنه أن يحمس الدكاترة المشرفين لدرجة إعطائنا 90 على الأقل بكل راحة ضمير!!!

    عندها قلت: الله يستر!

    طبعاً لم يعلما (الأخرقين) ما ورطا نفسيهما به... إلا أن إحساسهما بالخورفة (إن صح التعبير) لم يلبث إلا وقد بدأ يتزايد مع كل استشارة كانا يطلبانها من أحد الأساتذة، الذي كان يهز كتفيه ويشير برأسه في ما معناه: (آسف لا أستطيع أن أساعدكم)، ثم ينسى الموضوع برمته، ليتابع آخر أخبار الحرب المحتملة على العراق... وهكذا تكدَّست المراجع والأوراق الصفراء المهترئة في منزلي، والتي اعتبرتها مصدراً قيماً للف سندويتشات الفلافل التي كنت أقدمها لهما أثناء عملهما لدي.

    برأيي، هذا المشروع هو الدليل القاطع على وجود ما يسمى بـ (التوفيق الإلهي)، والذي يُسيِّر أغلب مرافق بلدنا هذه...

    من قال أن زمن المعجزات قد ولَّـى؟

     

    الآن وبعد أن قرأتم هذه المقدمة الملحمية، لكم أن تتخيلوا موقف الأساتذة في لجنة التحكيم وغيرهم من أعضاء الهيئة التدريسية الذين كانت هذه المقدمة بالنسبة لهم أهم من المشروع نفسه. لكم أن تتخيلوا الهرج والمرج الذي تسببت به هذه المقدمة المفترسة، لكم أن تتخيلوا ماهي نتيجة مشروع التخرج التي حصلت عليها بفضل هذه المقدمة، لكم أن تتخيلوا ما يحلو لكم... فالكلمات تعجز عن الوصف، إنما هي المخيلة الواسعة القادرة على تقريب الجواب!





    and let there be light…
    التوقيت 16/رمضان/1430 10:56 م بقلم الكاتب همام البهنسي

     

    لم أجد عنوان أفضل لأول موضوع في هذه المدونة من هذا اللفظ الذي يمثل أمر الخالق في تشكيل أولى عناصر الكون... عنوان وجدته مناسب أيضاً لأولى عناصر هذه المدونة التي تتأمل في هذا الفلك.

     

    نعم... هذه المدونة ستتحدث عن الفلك! عن الموسيقى! عن شيء من الرياضيات... قد يكون هذا غريب للبعض! فأنا لن أتحدث عن الهندسة المدنية أو الروبوتات أو أي من الأمور المتعلقة بالجانب الأكاديمي لي، كما أنني لن أتحدث عن رسوميات الكمبيوتر أو عن تطوير الألعاب التي تتعلق بالجانب العملي الذي أمتهنه. طبعاً هذا ليس ظلماً أو انتقاصاً لهذه الجوانب، ولكني أعتقد أنها أخذت فرصتها في أماكن أخرى، فالجانب الأول أخذ حقه في الموقع الأكاديمي الخاص بي والجانب الثاني مارس سلطته إما من خلال النقاشات العلمية أو المقالات في موقع الشبكة العربية لمطوري الألعاب، لذلك لم لا نترك المجال في هذه المدونة لأمور أخرى؟

     

    وماهي هذه الأمور التي لا تقل أهمية عن الهندسة ورسوميات الكمبيوتر سوى الفلك أوالموسيقى؟

     

    الفلك والموسيقى مجالات أدرك أهميتها المسلمون الأوائل كإحدى مقاييس الحضارة في العلم والفن لذلك برعوا فيها... دعونا رجاءً نبتعد عن قياس المستوى الحضاري الآن من خلالهما لأن النتيجة ستكون مخزية... فالفلك أصبح للأبراج والدجل والنصب والاحتيال، والموسيقى للخلاعة والابتذال والبذاءة واللهو الرخيص.

     

    ما سنحاول القيام به هو التأمل في حقيقة هذه المجالات والتعرف على علومها لعلنا نجد ضالتنا فيها...

     

    فأهلاً وسهلاً بالجميع...